محمد بن جرير الطبري
81
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول : فأي وجه عن قصد السبيل وطريق الرشد تصرفون وتقلبون . كما : حدثنا محمد بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن : فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ قال : أنى تصرفو ن . وقد بينا اختلاف المختلفين في تأويل قوله : فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ والصواب من القول في ذلك عندنا بشواهده في سورة الأَنعام . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ الذين تدعون من دون الله ، وذلك آلهتهم وأوثانهم ، مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ يقول : من يرشد ضالا من ضلالته إلى قصد السبيل ، ويسدد جائرا عن الهدى إلى واضح الطريق المستقيم ؛ فإنهم لا يقدرون أن يدعوا أن آلهتهم وأوثانهم ترشد ضالا أو تهدي حائرا . وذلك أنهم إن ادعوا ذلك لها أكذبتهم المشاهدة وأبان عجزها عن ذلك الاختبار بالمعاينة ، فإذا قالوا لا وأقروا بذلك ، فقل لهم . فالله يهدي الضال عن الهدى إلى الحق . أَ فَمَنْ يَهْدِي أيها القوم ضالا إِلَى الْحَقِّ وجائرا عن الرشد إلى الرشد ، أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ إلى ما يدعو إليه أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى واختلف القراء في قراءة ذلك . فقرأته عامة قراء أهل المدينة : " أم من لا يهدي " بتسكين الهاء وتشديد الدال ، فجمعوا بين ساكنين . وكأن الذي دعاهم إلى ذلك أنهم وجهوا أصل الكلمة إلى أنه : أم من لا يهتدي ، ووجدوه في خط المصحف بغير ما قرروا وأن التاء حذفت لما أدغمت في الدال ، فأقروا الهاء ساكنة على أصلها الذي كانت عليه ، وشددوا الدال طلبا لإِدغام التاء فيها ، فاجتمع بذلك سكون الهاء والدال . وكذلك فعلوا في قوله : وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وفي قوله : يَخِصِّمُونَ وقرأ ذلك بعض قراء أهل مكة والشام والبصرة : " يهدي " بفتح الهاء وتشديد الدال . وأموا ما أمه المدنيون من الكلمة ، غير أنهم نقلوا حركة التاء من " يهتدي " إلى الهاء الساكنة ، فحركوا بحركتها وأدغموا التاء في الدال فشددوها . وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة : " يهدي " بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال ، بنحو ما قصده قراء أهل المدينة ؛ غير أنه كسر الهاء لكسرة الدال من " يهتدي " استثقالا للفتحة بعدها كسرة في حرف واحد . وقرأ ذلك بعض عامة قراء الكوفيين : " أم من لا يهدي " بتسكين الهاء وتخفيف الدال ، وقالوا : إن العرب تقول : هديت بمعنى اهتديت ، قالوا : فمعنى قوله : أَمَّنْ لا يَهِدِّي أم من لا يهتدي إِلَّا أَنْ يُهْدى وأولى القراءة في ذلك بالصواب قراءة من قرأ : " أم من لا يهدي " بفتح الهاء وتشديد الدال ، لما وصفنا من العلة لقارئ ذلك كذلك ، وأن ذلك لا يدفع صحته ذو علم بكلام العرب وفيهم المنكر غيره ، وأحق الكلام أن يقرأ بأفصح اللغات التي نزل بها كلام الله تبارك وتعالى . فتأويل الكلام إذا : أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ، أم من لا يهتدي إلى شيء إلا أن يهدي . وكان بعض أهل التأويل يزعم أن معنى ذلك : أم من لا يقدر أن ينتقل عن مكانه إلا أن ينقل . وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى قال : الأَوثان ، الله يهدي منها ومن غيرها من شاء لما شاء . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى قال : قال : الوثن . وقوله : فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ألا تعلمون أن من يهدي إلى الحق أحق أن يتبع من الذي لا يهتدي إلى شيء إلا أن يهديه إليه هاد غيره ، فتتركوا اتباع من لا يهتدي إلى شيء وعبادته